قارئة الفنجان

 لم يمضِ على دلال أكثر من شهر واحد في بيروت، حتى وجدت نفسها تعمل شغالة باليومية، لدى أسرة الموظف الكبير، الذي يعمل زوجها عندهم سائقاً خاصاً

إن طبيعة الحياة الصعبة دفعت دلال للعمل لفّاية، لمساعدة زوجها لكي يتحمل مصاريف الحياة الباهظة في بيروت، لما جاءت من قريتها الصغيرة التي تقع في محافظة البقاع، لتتزوج من ابن عمتها، كانت تتوقع بأن الحياة في بيروت ستكون سهلة وممتعة، وستجد فسحة فيها لتعيش حياتها بحرية، بعيداً عن تقاليد قريتها، ولاسيما أنها كانت قد تربت في طبيعة قاسية، تشربت منها صلابتها وعنفوانها، ومع كل هذا، فلقد وجدت صعوبة في التأقلم مع هذا العمل الجديد، في بيت سيدتها أم وائل

 على الرغم من أنها لم تكمل دراستها بعد أن نالت الشهادة الابتدائية، إلا أنها تمتاز بذلك الذكاء والمكر، الذي يشتهر به الفلاحون بشكل عام، هناك دهاء كامن في داخل كل امرأة في هذا العالم، ويزداد هذا الدهاء عند المرأة الفلاحة بشكل خاص، نتيجة للظروف القاسية التي ترافقها طوال حياتها

 لم تتجاوز دلال الحادية والعشرين عاماً من عمرها، لكن عندها خبرة طويلة في معاملة الناس، اكتسبتها أيام كانت تساعد أهلها في جني محصول الحشيش وتجفيفه، ثم بيعه للزبائن، هذه المهنة بطبيعتها تتطلب كثيراً من الصبر ومن حلاوة اللسان

لجأت دلال بحسها الفطري منذ اليوم الأول التي عملت فيه لفّاية إلى التظاهر بالنظافة الزائدة عن حدّها، مدعيةً أنها مصابة بمرض وسواس النظافة، فهي تستعمل المعقمات والديتول بشكل دائم، أثناء تنظيف المنزل للقضاء على الجراثيم، لتكتسب بتصرفاتها ثقة ربة المنزل، كاسرة حاجز الريبة بموضوع النظافة بينها وبين من تخدمهم، ولقد نجحت دلال في ذلك، فأصبحت ست البيت تثق بها، فأدخلتها إلى مطبخها، وأصبحت تساعدها في إعداد وجبات الطعام

مع مرور الوقت ازدادت علاقتها مع ست البيت، التي بدأت تعاملها كأنها فرد من أفراد الأسرة، ومن خلال خدمتها بالمنزل، تعرفت على بعض زوجات المسؤولين اللواتي يترددن على زيارة بيت سيدتها، بعد أن انتشرت شهرتها بأنها مصابة بمرض وسواس النظافة القهري، أخذت سيدات المجتمع المخملي يقمن باستدعائها للخدمة في منازلهن، لمساعدتهن في إعداد الطعام في المناسبات والحفلات، فازداد الطلب اليومي على خدماتها، وأصبح المجال مفتوحاً أمامها، لتختار زبوناتها من بين زوجات كبار المسؤولين

 في إحدى المرات وبينما كانت الست أم وائل تتناول فنجان قهوتها الصباحية، لاحظت الشغالة دلال أن سيدتها شاردة الذهن، ويبدو على وجهها الكآبة، فسألتها عن مشكلتها، لكن أم وائل رفضت أن تجيبها عن سؤالها، لأنها تؤمن بأن للخدم مستوى معيناً يجب ألا يتجاوزوه، حتى لا يدسّوا أنفهم في مشاكل البيت، لكن سلاح المكر تحمله المرأة الذكية معها أينما راحت، بغية تخطي المواقف الصعبة التي قد تواجهها، وحيلتها دائماً مهيأة سلفاً في جيبها، جاهزة لتستعملها في خدمة مصالحها 

 بعد أن انتهت أم وائل من شرب فنجان قهوتها التركية، بادرتها دلال بقولها: بأنه يمكنها أن تقرأ فنجان قهوتها، وتتنبأ لها بالمستقبل، ما قد يساعدها على حل مشكلتها، نظرت دلال إلى أسفل فنجان القهوة، فلاحظت بأنه مازال هناك كثير من سائل القهوة في قعر الفنجان، فطلبت منها أن تشربه، على أن تترك فيه قليلاً من القهوة مع التفل، كما طلبت منها أن تنوي في قلبها عن هدفها من قراءة هذا الفنجان

لم يكن من طبيعة أم وائل أن تصدق هذه الخزعبلات، لكن عندما يمر الشخص بالضيق فإنه على استعداد بأن يستعين بالأفكار غير المنطقية، لتساعده على تجاوز محنته، فوافقت على مضض

 أخذت دلال الفنجان وقلبته على صحنه، وانتظرت لمدة ثلاث دقائق حتى سالت المادة السائلة الكثيفة المتبقية في قعر الفنجان على جدرانه، راسمة خطوطاً عنكبوتية متشابكة، وأخذت تدوّر الفنجان بين أصابعها بعكس حركة عقارب الساعة لعدة دقائق، بعد أن جفت القهوة، طلبت من أم وائل أن تبصم بإبهامها على التفل المتبقي في قعر الفنجان، فوجئت أم وائل من هذا الطلب، وأصبحت مترددة، لكن دلال أفهمتها، بأنها إذا لم تبصم فلا يمكنها قراءة الفنجان

إن لكل شخص في هذا العالم بصمته الخاصة التي تختلف عن جميع بصمات الأشخاص الآخرين الموجودين على وجه الكرة الأرضية، وإن الجنّي الذي سيساعدها على قراءة الفنجان لا يمكنه أن يتعرف على مستقبلها، إلا من خلال بصمتها على قعر الفنجان، هذه الكلمات الغريبة وقعت على رأس أم وائل، فأدهشتها واسترعت انتباهها، لقد أصبح الموضوع خطيراً، فأسرعت وبصمت، وأخذت تترقب الكلمات التي ستخرج من فم دلال

 مسكت الفنجان بين أصابعها وبدأت بقراءته من اليد اليمنى للفنجان، أخذت تلف الفنجان بعكس عقارب الساعة، لكي تظهر الرموز والخطوط في الفنجان، شرعت تشرح لأم وائل المعاني الخاصة لكل خط وشكل هندسي، محاولة إقناعها بجدية هذا الموضوع، فبينت لها أن حلقة الفنجان تدل على توقيت الأحداث، بينما قعر الفنجان يدل على مكان العمل، أما جانب الفنجان فيعني المحيط الاجتماعي للشخص. وأشارت بسبابتها إلى مساحة بيضاء على شكل مربع، فسّرتها بأنها طاقة فرج، تقع بين الخطوط المتشابكة الموجودة على جدار الفنجان، شرحت لها بأن هذه الفتحة تشير إلى أن الطريق سيكون مفتوحاً أمامها، وأن اللون الغامق للفنجان يدل على الحزن الشديد الدي تعيشه، ثم أشارت إلى شيء يشبه السهم على حافة جدار الفنجان، ما يعني أن مشكلتها بإذن الله محلولة

تابعت دلال كلامها بتمعن وهي تتفحص بدقة وجه أم وائل، وتترقب ردود أفعالها بعد كل كلمة تقولها مستمرة بحديثها: بأن هناك امرأة ذات شعر أسود طويل، قصيرة وسمراء، تتربص بزوجها، وهي لا تريد له الخير…. وتعمل جاهدة لكي تمنعه من متابعة سيره على الخط المستقيم الموجود بالفنجانوهي بالوقت نفسه تحاول أن تساعد شخصاً آخر لكي يزيحه عن هذا الطريق ويأخذ محله، لكن هناك لحسن الحظ شاب أسمر طويل طيب القلب، سيساعده على أن يكمل طريقه، ليصل إلى النهاية السعيدة التي يتمناها

 فوجئت أم وائل من دقة هذه الكلمات وصحتها، فربطت كلامها مباشرة بمسرح الأحداث التي تجري أمامها، فالمرأة السمراء القصيرة هي سكرتيرة وزير التموين، وهي تتآمر على زوجها، وتساعد أبو أيمن مدير المالية بالوزارة ليتمكن من الحصول على وظيفة مدير مكتب الوزير، حيث أصبح شاغراً منذ أسبوعين، أما الشاب الشهم الطويل الذي ذكرته دلال، فهو مساعد الوزير، وهو الذي يساعد زوجها للحصول على منصبه الجديد، ظهرت السعادة على وجه أم وائل من هذا الاكتشاف الذي حققته دلال، ومن هذه النهاية السعيدة لخاتمة الموضوع، ولم تتمالك نفسها، من أن توعد دلال بمكافأة كبيرة إذا تحققت نبوءتها

عندما عاد زوجها من عمله إلى البيت بعد الظهر، شرحت له زوجته بأن الشغالة دلال مخاوية للجن، وباستطاعتها قراءة المستقبل، وقد اكتشفت المؤامرة التي تحيكها سكرتيرة الوزير، لكيلا يتم تعيينه في منصب مدير مكتب الوزير، لكن دلال أكدت لها وطمأنتها، بأن الأمور محسومة بإذن الله، وسيصدر خلال الأيام القليلة القادمة مرسوم وزاري بتعيينه في منصبه الجديد

 لم تمضِ إلا ثلاثة أيام على هذا الحديث، حتى أصيب أبو أيمن فجأة بسكتة دماغية، وأدخل إلى قسم العناية المشددة بمشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أصبحت حالته الصحية حرجة، وأمسى من المستحيل عليه أن يتولى المنصب الجديد الذي كان يطمح إليه، لقد أخرجته العناية الإلهية بقدرتها خارج ميدان السباق، وفي ليلة وضحاها أصدر وزير التموين مرسوماً وزارياً بتعيين زوج السيدة أم وائل مديراً لمكتبه، بعد هذا المرسوم كبرت السيدة دلال في عيون أصحاب البيت، فقررت ست الستات أم وائل بأن تعطيها مكافأة، فاشترت لها قطعة صغيرة من الذهب مع سلسال رفيع لتعلقها في رقبتها، لتشعرها دائماً عندما تنظر إلى هذا السلسال، بأنها مدينة طول عمرها لصاحبة هذا البيت، وداعبت الأفكار ست الستات، بأنه يمكنها أن تستفيد من قدرة دلال على قراءة الفنجان لخدمة زوجها وأهلها وأحبائها

 استغلت دلال سمعتها بين العائلات المخملية، بأنها قادرة على قراءة الفنجان ومعرفة المستقبل، استطاعت بذكائها الفطري إقناع زوجها بأن يبقي أذنيه وعينيه مفتوحتين على الشائعات والأحاديث الطويلة التي يتبادلها سائقو العائلات، عندما يجتمعون مع بعضهم بعضاً، فسائقو المسؤولين يتمتعون بصفات خاصة تجعلهم أكثر تميّزاً، لأن كل واحد منهم يعتقد بأنه محلل سياسي متنقل، نتيجةً لسماعه بعض الكلمات من معلمه، وهو على استعداد لأن يخوض في أحاديث لا تنتهي، لمجرد أن يبرهن لبقية السائقين، بأنه أكثر اطلاعاً منهم على خفايا الأمور، ولو حتى إذا أدى به هذا الحديث للتطرق إلى الأشياء الخاصة والعلاقات الحميمة التي تحدث في بيت مخدومه، بالنهاية أقنعت دلال زوجها، بأنه إذا ساعدها في جمع المعلومات عن عائلات الطبقة الحاكمة في لبنان، فإنها ستغتنم هذه الفرص لتوطيد علاقتها مع هذه الأسر الغنية، وتستفيد مادياً منها، كما أنها ستؤمن له واسطة من بين معارفها، ليحصل على وظيفة ثابتة في الحكومة، فالواسطة هي الشرط الأساسي للحصول على الوظيفة الحكومية في لبنان 

 سمعت دلال من زوجها، بأن زميله سائق دكتور الأسنان، أخبره أثناء الحديث، متفاخراً بأن معلمه الدكتور مجدي الذي يعمل رئيساً لقسم الطب الوقائي في وزارة الصحة على علاقة مع ممثلة تلفزيونية لبنانية مشهورة، على الرغم من أنها متزوجة ولديها ولدان، وهي تتردد باستمرار على عيادته الخاصة في المساء، التي يعمل فيها بعد انتهاء دوامه في وزارة الصحة

 شعرت دلال بأن هذه المعلومة نعمة، لا يمكنها أن ترفسها، وهي فرصة لا تعوّض، وعليها استغلالها فوراً، ولم تعد تعرف كيف يمكنها من أن تتقرب من زوجة طبيب الأسنان، وسمعت بعد فترة من أم وائل، بأن زوجة طبيب الأسنان ستقيم حفلة عشاء في بيتها لأصدقائها المقربين، فطلبت من أم وائل أن تزكيها، لتذهب لمساعدتها في إعداد المأكولات لهذه الحفلة، وبالفعل اتصلت أم وائل بزوجة الدكتور مجدي، وأقنعتها بأن دلال يمكن أن تقدم لها مساعدة كبيرة في المطبخ، وكانت هذه بداية دخولها إلى خدمة عائلة طبيب الأسنان

 بعد فترة اكتسبت ثقة زوجة الدكتور مجدي، وأصبحت تأتي مرتين في الأسبوع لمساعدتهم في أعمال البيت، وفي أحد الأيام سألتها صاحبة البيت عن حقيقة الإشاعات التي تدور حولها، بأنها تستطيع قراءة الفنجان، فما كان منها إلا أن نهضت من مكانها، وذهبت إلى المطبخ، وأحضرت لمعلمتها فنجاناً من القهوة التركية، من دون أن تضيف إليه السكر، لكيلا تفسد هذه المادة الاصطناعية قراءة الفنجان. طلبت من ست البيت أن تشرب حوالي ثلثي فنجان القهوة، بينما هي تفكر في السؤال الذي تريده، بعد أن انتهت من شربه، قامت دلال بقلب الفنجان على الصحن، وانتظرت لنحو ثلاث دقائق، ثم أخذت الفنجان بيدها، بدأت تدويره بعكس عقارب الساعة، وشرحت لمعلمتها بأن هناك بروتينات في لعاب الإنسان تتعلق بجيناته، وهذه الجينات مسؤولة عن رسم الأشكال والصور على جدران فنجان القهوة، لاحظت وجود خط متعرّج بين الخطوط الكثيرة المتشابكة على جدران فنجان القهوة، فأشارت بسبابتها إلى أحد الخطوط، وطلبت من صاحبة الفنجان أن تنظر إليه، فهو متعرج، ولكنه واضح بشكل غير معقول، وهذا يعني أن الشيء الذي تضمره في عقلها، يسير بالطريق الخاطئ، ظهر الحزن على وجه ست البيت من هذا التفسير، ما أعطى لدلال إشارة بأن عليها أن تتابع حديثها، فقالت بجرأة: بأن زوجها يلعب بذيله…. ونظرت طويلاً إلى عينيهاثم أشارت بأن عليها أن تتحرك فوراً لكيلا يفلت زوجها طبيب الأسنان من بين يديها، وتأخذه منها الممثلة التلفزيونية المتزوجة، التي يبدأ اسمها الأول بحرف النّون

 حاولت الزوجة في بادئ الأمر أن تتظاهر بأنها لا تصدق هذه الخبرية، لكن كانت لديها شكوك داخلية حول خيانة زوجها، فلقد لاحظت بالفترة الأخيرة كثيراً من التغييرات في سلوكه، ولعل الشعور بالذات عند الرجل الخائن يدفعه إلى توخي الحذر والتصرف بشكل مريب، حتى لا ينكشف أمره، فاهتمامه الزائد بهاتفه الجوال زاد من شكوكها، كما أن كلماته خلال اللحظات الحميمة، كانت تزداد لطفاً بطريقة اصطناعية، ولكنه كان يتهرب بالوقت نفسه من عناقها وتقبيلها، بدعوى أن مزاجه سيّئ بسبب الضغوط النفسية الكبيرة التي يتعرض لها في وظيفته، هناك شكوك موجودة عادةً بين الزوجين، ولكن طالما لا يتم التكلم عنها، فكل طرف يعتبرها غير موجودة، لكن هذه التفاصيل الدقيقة والذرائع التي تجري في غرفة نومها دفعتها إلى التأكد، من أن دلال قد اكتشفت موضوع خيانة زوجها

 إن اهتمامها أصبح الآن منصباً على إنقاذ عائلتها واستعادة زوجها، فلم تخجل من أن تسأل دلال عن الطريقة التي يجب أن تتبعها لإنقاذ الموقف، كان جواب دلال واضحاً.. إن أفضل طريقة لحل الموضوع هو مصارحة زوجها عندما يعود إلى البيت في المساء ومواجهته بالأمر الواقع، الذي سيشكل صدمة لديه فيفقد فيها توازنهإن على زوجته أن تخبره بأنها عرفت بعلاقته مع هذه الممثلة الفلتانة المتزوجة التي لديها ولدانوإذا لم يكن على استعداد لأن يتعهد بقطع علاقته معهافإنها ستنشر غداً على صفحتها على الفيسبوك صورته وصورة للممثلة الساقطة، تشرح فيها بأن زوجها الدكتور مجدي يقيم علاقة مع هذه الممثلة التلفزيونية السيئة السمعة والمتزوجة…. وهي تتردّد على عيادته لممارسة الجنس معهبذلك تحطّم سمعته المهنية كطبيب للأسنان، وتدمر مستقبله المهني، غير عابئة بالنتائج التي ستترتب على ذلك

 علاقات الرجال ومغامراتهم النسائية شيء عابر في حياتهم، تحركهم بذلك رغبتهم الجنسية التي تزداد حدة، كلما فكر صاحبها بإشباعها مع شريكة جديدة وجميلة، ليقنعوا أنفسهم بأنهم مازالوا مرغوبين من الجنس الناعم، وقد يشجعهم مركزهم الاجتماعي ووضعهم المادي على التمادي في هذه العلاقات، فكل علاقة عاطفية للرجل المتزوج هي بنظره علاقة عابرة، لذلك فكر الدكتور، بأن أسهل وسيلة للخروج من هذا المأزق هو أن ينهي علاقته مع هذه الممثلة، والتي شعر أصلاً بأنه بدأ يصاب بالملل منها، ومن كثرة طلباتها المادية

 بعد أن ضربت نوال ضربتها، وأعادت الدكتور الشارد إلى زوجته، توهمت بأنها أصبحت فعلاً قارئة للفنجان، وأن بإمكانها أن تكشف الطالع، وتتنبأ بالمستقبل، ما زاد من ثقتها بنفسها ودفعها إلى اتخاذ قرارات جريئة غير مدروسة، تعتمد فيها فقط على حدسها الداخلي، وتوقعاتها للفائدة المادية التي ستحصل عليها من قراءة الفنجان، ولم تعد تكتفي بالمبالغ التي تحصل عليها من قراءة الفنجان، بل أصبحت تبيع لربات البيوت أساور معدنية من النحاس محفوراً عليها إشارات وتعويذات بالأحرف السومرية، يسميها البعض سحر التولة، وهذه الطلاسم قادرة على رد الزوج إلى زوجته، ليكون مثل الخاتم في أصبعها

 ازدادت شهرة دلال بين زوجات المسؤولين، وأصبح الجميع يستشيرونها قبل اتخاذ قراراتهم المصيرية، حتى وصل الخبر إلى زوجة مساعد وزير الداخلية، وبحكم طبيعة النساء ورغبتهن الأكيدة في الحصول على كل الأشياء الجيدة الموجودة في العالم، طلبت زوجة مساعد وزير الداخلية، من أم وائل أن ترسل لها اللفّاية دلال، لتساعدها في تطبيق بعض الأكلات اللبنانية، محاولةً أن تخفي عنها السبب الحقيقي لاستدعائها 

 في الوقت نفسه شعرت دلال بسعادة كبيرة، لأنها أصبحت قريبة من أهم الستات في بيروت، وتصورت أن هذه ستكون فرصتها الذهبية، لكي تتوسط لزوجها لتوظيفه سائقاً في الحكومة، كعادتها تظاهرت باليوم الأول بأنها مصابة بوسواس النظافة القهري، فهي لا تنفك تغسل كل شيء، تقع يداها عليه عدة مرات، لكي تكسب ثقة صاحبة البيت الجديدة، ولا تنسى أن تضيف محلول الديتول عند مسح أرضية المطبخ لقتل جميع الجراثيم، التي تسول لها نفسها الاعتداء على أصحاب البيت

بعد فترة قصيرة أصبحت دلال محل ثقة زوجة مساعد وزير الداخلية، وأخذت تتردد مرتين في الأسبوع على منزلها، استغلت ست البيت وجود دلال معها، وطلبت منها تحضير فنجان قهوة تركية، لتترك لها المجال لتفتح موضوع قراءة الفنجان، لم تخيّب دلال ظنها، فما كادت تنتهي من شرب فنجان قهوتها، حتى اقترحت عليها دلال أن تبصّر لها في الفنجان

 أخبرتها بأن تترك حوالي ثلث سائل القهوة في أسفل الفنجان، كما طلبت منها أن تضمر في سرها، عن هدفها من قراءة الفنجان، ثم أن تبصم بإبهامها على التفل الموجود في قعر الفنجان، بعدها سألتها بأن تتنفس داخل الفنجان، لأن النفس عامل مهم من أجل التعرف على المستقبل، ثم طبت الفنجان على صحن القهوة وانتظرته لعدة دقائق، رفعت الفنجان بأصابعها في الهواء، لكي تجف مواد القهوة التي على جدرانه، وهي تحركه بعكس عقارب الساعة كالمعتاد، أخذت دلال تركز على الخطوط التي تظهر في الفنجان، أشارت إلى صاحبة البيت بسبابتها على ثلاثة خطوط منحنية، تظهر على جدار الفنجان، فسّرتها دلال بأنها تدل على وجود مشاكل جدية لست البيت، كما لفتت انتباهها إلى وجود أشكال بعض الحيوانات أيضاً، والتي لها معانٍ مهمة في التنبؤ عن المستقبل، فأشارت إلى شكل نشأ من تجمع رواسب تفل القهوة يشبه الأرنب، وهذا دليل على أن صاحبة الفنجان خائفة من مشكلة تعترض طريقهالكن لحسن حظها…. هناك غزال موجود أمام الأرنب، وهو يواجهه ويتحداهوهذا يعني بأن على صاحبة الفنجان مواجهة مشكلتها بشجاعة…. كما توجد سمكة على الطرف الآخر من جدار الفنجانوهذا يؤكد أن الرزق الوفير آتٍ على الطريقوأن الموضوع سيُحل بإذن الله مثلما تريد صاحبة الفنجان

 تأكدت زوجة مساعد وزير الداخلية نظراً لوجود الغزال في فنجانها، بأن عليها أن تتحرك فوراً، لتساعد زوجها لكي يصبح وزيراً للداخلية، كانت هناك إشاعات قوية في البلد تقول: إن هناك تغييرات في مناصب ثلاث وزارات في لبنان، وإن وزارة الداخلية واحدة منها، تصورت بأن هناك قوة سماوية تدفعها إلى ذلك، ولا سيما أن وجود السمكة في فنجان قهوتها يعني الرزق الوفير، إن عليها أن تذهب لزيارة قريبتها البعيدة، زوجة رئيس الوزراء، على الرغم من أنها كانت تتخوف من هذه الزيارة، وتعتبر أن فيها كسر نفس لها، لأنها تطلب من قريبتها التي تكرهها أن تمدّ لها يد العون لمساعدة زوجها. لكنها تحاملت على نفسها، وقامت بهذه الزيارة على مضض، لتذكرها بأن الدم لا يمكن أن يصير ماءً، وأنه إذا تم اختيار زوجها ليصير وزيراً للداخلية، فالرئيس يختار شخصاً من أقربائه وبمنزلة أخيه، يمكنه أن يعتمد عليه في هذه الأوقات، التي تتغير فيه ولاءات السياسيين في كل لحظة وفقاً لمصالحهم الخاصة، إن الدم يبقى دائماً أثقل من الماء، إن وجود قريب له في وزارة الداخلية سيكون سنداً له في هذه الأيام العصيبة، لأن الوزراء في الحكومة باتوا خبراء بطرقهم الملتوية بالاستفادة من كل شيء يعرض أمامهم، لتحقيق مآربهم فقط، ولا يدينون بالولاء لرئيس مجلس الوزراء

 صدقت الشائعات.. بعد حوالي أسبوعين تم تنفيذ التعديل الوزاري، واستبدل ثلاثة من الوزراء، كان وزير الداخلية واحداً منهم، وأصبح زوج قريبة زوجة رئيس الوزراء وزيراً جديداً للداخلية في هذه الوزارة العتيدة، إن مهمة وزير الداخلية مهمة صعبة، فهو مسؤول على الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، كما أن عليه تنفيذ إستراتيجيات أمنية خاصة يكلفه بها رئيس الوزراء، وعليه بالدرجة الأولى حماية أمن النظام السياسي الحاكم بأي طريقة كانت، على أساس أن استقرار النظام السياسي يعتبر الركيزة الأولى لأمن الوطن، وهذا ما يفسر لماذا اختار رئيس الوزراء قريب زوجته لهذه المهمة

 لا يكاد يمر يوم في لبنان إلا وتنفجر فيه فضيحة تهز الشارع في بيروت، لتأتي بعدها فضيحة ثانية، تغطي على الأولى، وتهز لبنان بأكمله، في تلك الليلة اتصل رئيس الوزراء بوزير داخليته، طلب منه أن يحضر فوراً إلى بيته، ليتشاور معه في موضوع مهم، إذ إن هناك حالة من الهياج تجتاح فئة معينة من الشارع اللبناني، جعل الحكومة على كف عفريت، نظراً للقرارين اللذين أصدرتهما الحكومة البارحة بحق المعارضة، بهدف تضييق الخناق عليها، فقد أصبح الصراع مع المعارضة مفتوحاً لأول مرة، وأكثر خطورةً وعنفاً منذ انتهاء الحرب الأهلية، ولما كانت المعارضة تعتبر بدورها أن الحكومة الحالية غير شرعية، فقد قامت بإنزال تنظيمها السياسي المسلح، المسمىالقمصان الخضراءإلى الشوارع، واحتلت المراكز الحساسة في بيروت على شاكلة انقلاب عسكري على الحكومة

 طلب وزير الداخلية من رئيس مجلس الوزراء أن يعطيه فرصة حتى صباح اليوم التالي، حتى يتأكد من ولاء ضباط الشرطة للحكومة، قبل اتخاذ قراره باستعمال القوة المفرطة ضد مليشيات المعارضة، التي تحدّت الحكومة

 عندما وصل إلى منزله، طلب من زوجته أن ترسل سائقهم الخاص ليحضر دلال إلى بيتهم، ولو من تحت الأرض، إذ إن الموضوع خطير جداً، ولا يحتمل التأجيل حتى صباح اليوم التالي، بالفعل أرسلت السائق في منتصف الليل إلى بيت دلال، وأحضرها بسرعة فائقة إلى بيت معلمه وزير الداخلية

 دخلت البيت وهي ترتجف من الخوف، لقد كانت خائفة من أن مصيبة ربما قد حدثت من وراء قراءتها للفنجان لإحدى سيدات المجتمع المخملي، لكن صاحبة البيت استقبلتها بوجه بشوش، وأفهمتها بأن زوجها الوزير يريد أن يستشيرها بموضوع مهم، وعليه أن يتخذ قراره بشأنه، قبل مطلع الفجر. انبسطت أسارير دلال، وأيقنت بأن رزقتها قادمة لا محالة بإذن الله 

 أحضرت للوزير فنجان القهوة التركية، وبطريقتها السابقة نفسها، طلبت منه أن ينوي ثم يبصم على التفل ثم ينفخ بالفنجان، رفعت بأصابعها فنجان القهوة، وبدأت تديره بعكس عقارب الساعة، فاندهشت من الخطوط المتشابكة الموجودة على جدار الفنجان، أشارت بسبابتها إلى خط طويل أبيض يخترق جميع هذه الخطوط المتشابكة بوضوح من أسفل الفنجان إلى أعلاه، فقالت للوزير: إن هناك حواجز عديدة تقف في طريقك، وهناك عارض وحيد صلب يقف بشكل خاص على خط طريقك الأبيض المفتوحلكن إذا استطعت أن تخترق هذا الحاجز، فسوف تصبح رئيساً للوزراء، فوجئ الوزير من تفسير دلال لقراءة فنجانه، وتصوّر أن الله بالفعل قد كشف على بصيرتها، وأنها تصف بالتفصيل الدقيق الواقع الذي يعيشه في هذه اللحظة، وأن عليه أن يستفيد من هذه النعمة التي هبطت عليه من السماء

 في صباح اليوم التالي عندما ذهب إلى الاجتماع برئيس مجلس الوزراء، أكد له أن عليه أن يكون حازماً في هذه المرة مع المليشيات، لكي تحافظ الدولة على هيبتها، حتى تعود الجماعات المسلحة إلى قواعدها، إذ إنه لا يمكن أن يسمح لها بالسيطرة على الدولة، كما أكد له أن جهاز الأمن والمخابرات التابعة لوزارته سيقف بقوة ضد من يخرج على الشرعية

 تشجع رئيس الوزراء بعد أن سمع كلام وزيره، وقرر أن يتشدد مع هذه المليشيات لكي تنسحب من الشوارع التي احتلتها، عندما جاء المساء، أوى رئيس الوزراء مطمئناً إلى فراشه، بأن الموضوع قد انتهى، وأنها مجرد غيمة قد مرت بسلام، ولم يتصور أنه في تلك الليلة، كان وزير داخليته يجتمع مع زعماء المليشيات المسلحة، محاولاً أن يجنّب البلد الاصطدام المسلح بين قوى الأمن وعناصر هذه التنظيمات 

 اعتقد وزير الداخلية في هذه الظروف، بأن موقفه بعدم الاصطدام بالمليشيات ذوات القمصان الخضراء سيجنب البلاد حرباً أهلية جديدة لا تستطيع أن تتحملها، كما أنه سيمهد له الطريق في المستقبل القريب، ليصبح مرضيّاً عليه من جميع الفرقاء المختلفين في لبنان، وبذلك يكون الطريق ممهداً أمامه ليصبح رئيساً للوزراء 

 في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، اتصل بالهاتف مع رئيس الوزراء، ليخبره بأن القيادات الأمنية في وزارة الداخلية قررت عدم الدخول في مواجهات مسلحة مع جماعة القمصان الخضراء، وعليه.. فإن الأجهزة الأمنية تنصحه بأن يتقدم باستقالته الفورية إلى رئيس الجمهورية خلال هذا اليوم، ويسافر بعدها بإجازة طويلة مفتوحة خارج لبنان، حتى تهدأ الخواطر، وبعدها يمكنه العودة إلى بيروت